ابن الوزان الزياتي

118

وصف افريقيا

راسخو القدم في علوم الشريعة . ولأكثرهم ذاكرة ممتازة في مسائل الفقه الإسلامي . وقد عرفت رجلا هرما يحفظ عن ظهر قلب كتابا يدعى « المدوّنة » « 38 » ومعناه « جامع الشرائع » الذي يضم ثلاثة كتب عولجت فيها أصعب المسائل الفقهية على مذهب مالك « 39 » . وهذه المدينة عبارة عن محكمة ترسل إليها كل الدعاوي . ففيها يفصل في الادعاءات ، والاعلانات ، والاتفاقات ، والعقود . . . الخ . ومن أجل ذلك يقصدها جميع أهالي المناطق المجاورة . والفقهاء هم الذين يقومون بمهمة الإدارة المدنية والإدارة الدينية . ولكن السكان لا يذعنون لآرائهم في القضايا ذات الأهمية الكبرى ، ولا يفيدهم حينئذ علمهم شيئا . وعندما قصدت هذه المدينة نزلت في ضيافة محام ، في منزله . واتفق في إحدى الأمسيات أن كان عنده عدة فقهاء اجتمعوا بعد العشاء ، وبدءوا يتناقشون فيما إذا كان يجوز لولي الأمر أن يبيع ما يملكه فرد ما لتحقيق مصلحة عامة أو لحاجة الدولة إلى ذلك . وكان من الحضور شيخ كبير قام بتلخيص هذا النقاش والفصل في هذا الموضوع ، وكان يدعى الجزار . وعند سماع كنيته هذه طلبت اليه معنى هذه الكنية ، فأجابني أن معناها « القصّاب » وأضاف : « السبب في ذلك ، أنهم شبهوني بالقصاب ، فكما أن القصاب قد اعتاد العثور على مفاصل الحيوانات ، فإنني اعتدت العثور على فصل الخطاب في قضايا الفقه الإسلامي » ! ! وحياة أهالي آيت دوّاد قاسية جدا على العموم . فهم يتغذون بالشعير وزيت الهرجان ولحم الماعز . والقمح غير معروف لديهم . ونساؤهم جميلات وجسومهن ملونة . والرجال أقوياء البنية ، ولهم بطبيعتهم صدور كثيفة الشعر . وهم كرماء للغاية وغيورون لأقصى الحدود على نسائهم . قليعة المريدين وهي قلعة صغيرة واقعة في قمة جبل شديد الارتفاع بين جبال لها نفس الارتفاع . وتوجد في كل هذه الجبال صخور هائلة محاطة بغابات كثيفة جدا . ولا يمكن الارتقاء إلى هذه القلعة إلّا بسلوك درب ضيق على خاصرة الجبل . فمن ناحية نجد جروف الصخور ومن طرف آخر حبل تيسيغدلت ، الذي لا يبعد أكثر من ميل ونصف . « 40 » وتقع آيت دوّاد

--> ( 38 ) تأليف العالم التونسي سحنون ، وهي من أشهر المؤلفات في مذهب الإمام مالك . ( 39 ) الإمام مالك بن أنس . ( 40 ) 5 ، 2 كم .